عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
359
اللباب في علوم الكتاب
وقرىء « درست » بفتح الدال ، وضم الراء مسندا إلى ضمير الإناث ، وهو مبالغة في « درست » بمعنى : بليت وقدمت وانمحت ، أي : اشتدّ دروسها وبلاها . وقرأ أبيّ « 1 » « درس » وفاعله ضمير النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، أو ضمير الكتاب بمعنى قرأه النّبيّ ، وتلاه ، وكرّر عليه ، أو بمعنى بلي الكتاب وامّحى ، وهكذا في مصحف عبد اللّه « درس » . وقرأ الحسن « 2 » في رواية « درسن » فعلا ماضيا مسندا لنون الإناث هي ضمير الآيات ، وكذا هي في بعض مصاحف ابن مسعود . وقرىء « درّسن » كالذي قبله إلا أنه بالتّشديد بمعنى اشتدّ دروسها وبلاها ، كما تقدم . وقرىء « 3 » « دارسات » جمع « دارسة » ؛ بمعنى : قديمات ، أو بمعنى ذات دروس ، نحو : عِيشَةٍ راضِيَةٍ [ الحاقة : 21 ] و ماءٍ دافِقٍ [ الطارق : 6 ] وارتفاعها على خبر ابتداء مضمر ، أي : هنّ دارسات ، والجملة في محلّ نصب بالقول قبلها . قوله : « ولنبيّنه » تقدم أنّ هذا عطف على ما قبله ؛ فحكمه حكمه ، وفي الضمير المنصوب أربعة احتمالات : أحدها : أنه يعود على الآيات ، وجاز ذلك وإن كانت مؤنّثة ؛ لأنّها بمعنى : القرآن . الثاني : أنّه يعود على الكتاب ، لدلالة السّياق عليه ، ويقوّي هذا : أنّه فاعل ل « درس » في قراءة من قرأه كذلك . الثالث : أنّه يعود على المصدر المفهوم من نصرّف ، أي : نبيّن التّصريف . الرابع : أنه يعود على المصدر المفهوم من : « لنبيّنه » أي : نبيّن التّبيين ، نحو : « ضربته زيدا » أي : « ضربت الضّرب زيدا » ، و « لقوم » متعلّق بالفعل قبله ، و « يعلمون » : في محل جرّ صفة للنّكرة قبلها . قال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرّشاد . وقيل : نصرّف الآيات ليشقى بها قوم ، ويسعد بها آخرون ؛ فمن قال : « درست » فهو شقي ، ومن تبيّن له الحقّ ، فهو سعيد . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 106 إلى 107 ] اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 106 ) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) لما حكى عن المشركين أنّهم ينسبونه في إظهار هذا القرآن العظيم إلى الافتراء ، وإلى مدارسة من يستفيد هذه العلوم منهم ، ثمّ ينظّمها قرآنا ، ويدّعي أنّه نزل عليه من
--> ( 1 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 200 ، الدر المصون 3 / 151 ، المحرر الوجيز 2 / 331 . ( 2 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 200 ، الدر المصون 3 / 152 . ( 3 ) ينظر : المصدران السابقان .